التوأمان (قصة بوليسية)
في ليلة حالكة باردة،تتعالى آهات الوجع ،إنه مخاض الولادة.. في لحظةٍ مليئة بالألم والأمل، سمع صراخ دغدغ سمع الأم، ثم بعدها بلحظات سمع صراخ اخر ،إن هدية الرحمان هديتان. نظرت الأم إليهما ، فإذا بهما مرآتان صغيرتان تعكسان حبها وصبرها، ذكران متشابهان شبها كاملا.ابتسمت الدنيا بقدوهما،وسعد الأبوان بهما سعادة يكاد ينفطر لها قلبيهما فرحا.
نشأ الصغيران في كنف والديهما واختار لهما إسمين متشابهين كما جرت بذلك العادة،حميد وحمدان،طفلان كأنهما نسخة طبق الأصل حتى أمهما تعجز أحيانا في التفريق بينهما،علامة فقط على شكل وحم على ظهر حميد هي ماتمكنها من التمييز بينهما.
ومع كل هذا التطابق التام بين الشقيقين، فإن الله أودع في قلب حميد من الأخلاق والأداب ماتنجدب إليه النفوس وتهفو إليه القلوب ،لقد كان حميد خلوقا يستميل قلوب الناس إليه،لكنه لم يتمتع بالذكاء الذي يتمتع به حمدان .فالأخير عرف بذكاء قل نظيره إلا أنه لا يذهب به سوى إلى مذاهب لا ينفع بها نفسه ولا ينفع بها الناس.
ترعرع التوأمان في كنف أبويهما ،وقبل بلوغهما الخامسة عشرة تخطف الموت أباهما ،ثم بعدها بثلاث سنين،ابتليت الأم بمرض لم يمهلها إلا شهرا واحدا حتى أخذها إلى جوار ربها ،كانت الصدمة بالغة .
...وتستمر الحياة بأفراحها و أحزانها،ويستمر حميد في نهجه الميال إلى الاجتهاد والمثابرة، ومطاردة الأحلام حتى يصنع مجده بيده،وإن كان أبواه قد تركا له ولأخيه ما يكفيهما السؤال ويزيد،فقد خلفا لهما رحمهما الله مزرعة كبيرة فيها مسكن رائع ،وأملاكا أخرى . لكن حميد اثر الاعتماد على الله وعلى نفسه ،فاجتاز المراحل الدراسية بتفوق، حصل على نقطة جد مشرفة في الإجازة في القانون.واختار بعدها المحاماة طريقا له،وقد صار بعدها محاميا مرموقا لايشق له غبار.
وأما حمدان، فكان على النقيض أكثر ميلًا إلى الراحة، مكتفيًا بمستوى متوسط ،لايستغل ماحباه الله به من ذكاء،ولم يكن اجتهاده كافيًا لدفعه نحو القمة. عاش حياةً مضطربة ، بلا أضواء تسطع، و بقي ملتصقا بشقيقه،ويسير تحت ظله.
اقترح حميد على أخيه أن يعمل معه في مكتب المحاماة،فيتعلم منه سبل المرافعة وخبايا القضايا،وأن يحل محله حين تقتضي الحاجة،لم يكن حمدان ليرفض هذا العرض وهو بحاجة إلى تغطية بعض المصاريف،خاصة أنه يتردد على المراقص الليلية الحمراء.ويلهث خلف النساء.
مرت الأيام وتوالت السنون،واستمر الشقيقان في نجاح يلاحقه النجاح،ومكتب المحاماة لايهدأ عن الحركة،الموكلون الذين كانوا يجدون صعوبات في التفريق بين الشقيقين ينحدرون إليه من كل مكان وفي كل زمان.يبحثون عن حل لقضاياهم المستعصية.
و تعلق حميد بفتاة ذات حسن وجمال،ورفعة أخلاق ،أرادها للزواج،كانت الفتاة تتردد على المكتب ،لترى حميدا،إلا أنها كانت تجد مشقة في التفريق بينه وبين شقيقه،ذات مرة ادعى حمدان أنه حميد وجالس الفتاة و أراد أن يستميلها إليه،فلم تمر إلا لحظات حتى اتصل بها حميد لتخبره بأن الأمر استشكل عليها ،وأنها ماعادت تفرق بينهما.وأخبرته بنوايا أخيه وبما جرى بينهما من حديث.
فطن حميد لما انطوت عليه نفس شقيقه،فقرر أن يضع حدا لكل تجاوزاته،لأن الشبه الكبير بينهما ،جعل حمدان يقترف من الأثام والشرور ما لطخ به سمعة المكتب ومهنة المحاماة،كان يحفر الحفر ويسقط شقيقه فيها،الذي كان يتجاوز عنه كثيرا،عملا بوصية والدته،لكنه تمادى كثيرا حين سولت له نفسه الاقتراب من زوجة أخيه المستقبلية ومحاولة خداعها،وذاك ذنب لا يغتفر .
قررحميد الانفصال عن حمدان،وأن يشق كل واحد الطريق الذي يراه مناسبا،وقد اتخذا المزرعة التي ورثاها عن أبيهما مكانا للخوض في الموضوع وترتيب كل شيء،ولم يخبرا أحدا بالأمر.
""""""""""""""""
بضعة أيام خلت،اتصل حميد بالشرطة وأخبرها أن أخاه حمدان قد اختفى عن الأنظار،ولم يعرف السبب،وأنه يحاول الاتصال به فما من مجيب...عمقت الشرطة بحثها،وسخرت كل الوسائل للعثور على دليل يثبث وجود المفقود ،حيا أو ميتا،لكن كل جهودها لم تكلل بالنجاح.
ولما سمعت الفتاة بخبر الاختفاء جاءت كعادتها لتواسي خطيبها بفقدان شقيقه.فما إن دخلت عليه حتى وجدت شخصا منعدم الإحساس خال من العواطف،فأرادت استكشاف الأمر فأجابها:
"انتهى الذي بيني وبينك.أنا لا أصلح لك."
لم تعرف المسكينة بما ابتليت ،ولم تستوعب كيف تنصل منها بهذه السهولة،وبدم بارد؟لقد تبخرت كل الوعود والامال ولم تجد سبيلا للسؤال فجرت خيبتها خلفها ومسحت دموع الحسرة والألام ثم انصرفت.
"""""""
عشر سنوات خلت،لا أثر للمختفي،بينما واصل شقيقه نجاحاته،في مكتب المحاماة،رغم ما كان يظهره من تأسي على فقدان أخيه.ولم يكدر صفو عيشه ،إلا الدولة التي أرادت أن تستغل مزرعته التي ورثها مع أخيه المختفي،تريد أن تقيم به مشروعا للصالح العام،رفض حميد في البداية ،مدعيا أنه يريد أن يشتم فيها رائحة والديه ،وأن أخاه مايزال غائبا و له النصف مما ترك والده .لذلك وكل محاميا اخر للدفاع عن قضيته،إلا أن جهود محاميه باءت بالفشل فانتصرت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
وشرعت الدولة في إنجاز المشروع،وانطلقت الجرافات والات الحفر،وصارت الأشغال على قدم وساق...ثم فجأة تستخرج الا لات رفاتا من بطن الأرض،كان رفات رجل،ومعه بندقية صيد..هرعت السلطات إلى عين المكان..وتجندت لمعرفة كل صغيرة وكبيرة عن الرفات،وتعرفت أن الجثة مصابة بطلقة رصاص في الجمجمة وكان لابد لها من الاتصال بصاحب المزرعة،ربما يجدون عنده مايفك لغز الدفين.
لم يلبي حميد طلب الشرطة متذرعا بأن العمل لايسمح، لأنه لا يجد الوقت لفرك رأسه .فلم ير المحققون بدا من سوقه مرغما إلى قاضي التحقيق الذي لم يهتد معه إلى سبيل يساعده على فك خيوط الرجل المدفون مع البندقية،عندها قرر القاضي أن يودعه رهن الاعتقال الاحتياطي إلى أن يهتدي المحققون إلى فك لغز القضية.
ودع حميد رهن الاعتقال الاحتياطي بالسجن،وكما جرت العادة لابد من إجراء بعض الإجراءات حول كل معتقل،ومنها رفع البصمات،فكان من المفاجئات المدوية التي فجرتها الأبحاث أن بصمات حميد إنما هي تعود لحمدان،أي أن الرجل الحي المودع بالسجن هو حمدان،والمختفي هو حميد.
وأجرى المحققون بحثا معمقا للرفات المدفون بالمزرعة فتبين أنه يعود لحميد.
واجه المحققون حمدان بالأدلة الدامغة،فاعترف بذنبين :ادعاء المحاماة،وانتحال صفة،لكنه لم يكن قاتلا ،هو لم يقتل شقيقه كما ادعى.
واستمرت التحققيقات وتوالت الجلسات،وحاصر القاضي حمدان فلم يجد هروبا من الاعتراف،قال:
" أنا لم أقم بقتله،إنما وقع خلاف بيننا،حول اقتسام الارث،لم نتفق على بعض الأمور ،فتهددني ببندقيته،فحاولت أن أبعدها عني،فانفلثت منها رصاصة طائشة أصابت جمجمته"
وقد كشفت التحقيقات من ذي قبل أن البندقية كانت باسم حمدان .وهكذا تم الحكم عليه بالسجن المؤبد بعد التهم الثلاثة المنسوبة إليه : انتحال صفة،ممارسة مهنة دون ترخيص ودون مؤهلات ،والقتل العمد مع سبق الاصار والترصد.
النهاية
للأمانة القصة للمرحوم الإعلامي الكبير :عبد الصادق بن عيسى،تغمده الله بواسع رحمته
إعادة صياغة القصة: عبد الكريم التزكيني