البيت المهجور (قصة مرعبة)الجزء 2
... أصبح العفريت جزءًا من حياة العائلة، والتزم بوعده بعدم إلحاق الأذى بأحد من أفرادها.. في البداية، كانت الأم والطفلان يتوجسون منه خيفة لمظهره المخيف،حيث كان يفضل أن يظهرعلى هيئة أشبه بخروف أقرن تشتد حمرة عينيه.وأنفق الأب زمنا طويلا لطمأنتهم مؤكدًا أنه قد عقد معه اتفاقًا واضحًا على ألا يظهر إلا في مظهر الادميين،وألا يأتي بباقي أفراد أسرته من العفاريت،لأن مظاهرهم أقسى على قلوب الناظرين من بني البشر.
ومع تعاقب الليالي،توطدت العلاقة أكثر، بين عالمي الإنس والجن.فمع حلول كل مساء كان العفريت ينبثق من العتمة، بعد أن يغطّ الجميع في سبات عميق، متسللًا إلى غرفة النوم حيث يرقد الأب. يجلس عند حافة السرير،على مقربة من رأسه، هامسًا بحكاياته الغريبة بصوت لا يسمعه سوى صاحبه،و كأنه يبوح بأسرار دفينة ، حكايات تُروى بين صديقين قديمين. كانت الزوجة تغرق في نومها العميق، بينما زوجها يصارع كتم ضحكاته كي لا توقظها غرائب العفريت ونوادره المضحكة.
وما إن تزداد الحكايات تشويقًا،حتى يومئ العفريت برأسه في إشارة صامتة، فينهض الأب على رؤوس أصابعه ليتبعه إلى "الصالون"، حيث تكتمل الحكاية. هناك، في حلك الظلام ، وسكون الليل، كان ينسج أكثر الحكايات جنونًا، وأغربها حبكا ،فتارةً يثير الدهشة، وتارةً أخرى يكتم الرجل ضحكاته فتسيل الدموع من عينيه الأب، وكأنها تغسل همومه مع كل سردٍ جديد.
في ليلة من لياليهما العجيبة،خرجت الزوجة متثائبة من غرفة النوم، تفرك عينيها بحثًا عن زوجها. كانت دهشتها كبيرة حين رأته جالسًا وحده في الصالون، يحدق أمامه كمن يغرق في حديث غير مرئي.
تقدمت نحوه بخطوات بطيئة، وقالت في همس:
_ "ما الذي تفعله هنا وحدك في هذا الوقت المتأخر من الليل؟"
ابتسم محاولًا إخفاء ارتباكه وقال:
_ "آه، بلغ مني العطش مبلغه، فأطفأته بشربة باردة ثم رأيت أن أعد كأسا من الشاي قبل أن أعود إلى النوم...أشعر بوجع في الرأس"
قطبت الزوجة أحد حاجبيها بدهاء وهمست حتى لاتوقظ الصغيرين:
_ "أوَليس الأصح أن نقول إن صديقك العفريت هو من دعاك إلى كوب شاي ليحكي لك عن مغامرات العفاريت ونوادرهم؟"
ساد الصمت للحظات، ثم تفجر ضحك عميق من زاوية الصالون، وتبعه الأب أيضًا دون أن يستطيع إخفاء الأمر أكثر. فجأة، خرج العفريت من مخبئه، وهو يقول:
_ "أنتِ امرأة حاذقة ! لم تنطل عليك الحيلة."
تراجعت الزوجة خطوة إلى الخلف وهي تحدق في زوجها بدهشة، ثم قالت مازحة:
_ "في المرة المقبلة قل لصديقك "العفريت"أن يجلب زوجته ونشرب الشاي معا على نغمات حكايات العفاريت المشوقة"
نظر الأب إلى العفريت، ثم إلى زوجته، قبل أن ينفجر الجميع في ضحك متواصل.
...وظل الصديقان يتسامران لزمن ليس باليسير ،وفي إحدى الليالي المعتادة قال الأب لصديقه العفريت:
_"دعنا من حكايات الجن والعفاريت،وعد بنا إلى عالم الشياطين من الإنس"
فهم العفريت مقصد صاحبه،فقال:
_ "لابد أنك تقصد السمسار،أراه من سلالة الشياطين الادميين "
_" هو ذاك ،يجب أن يسدد دينه،يجب أن يرجع الحقوق لأهلها،والأموال لمن نصب عليهم ،أليس كذلك؟"
لقد ذاق السمسار من ذي قبل مرارة الرعب مع العفريت وقد غاب عنه أن تلك الليلة التي تجرع فيها من الرعب ألوانا لم تكن سوى البداية، وأن العفريت لن يتركه ينعم بليلة هانئة حتى يعيد أموال من خدعهم.
اتفق الرجل والعفريت على خطة محكمة، حيث سيجعلونه يرى الكوابيس وهو مستيقظ، ويشعر بالرعب حتى وهو بين الناس، ويعيش أيامه كأنه في متاهة من الأشباح والهمسات المخيفة.
""""""""""""""
في ليلة ساكنة مدلهمة عاد السمسار إلى بيته ،بعد يوم متعب،وما إن تناول عشاءه حتى اندس تحت غطائه، محاولًا طرد صور الذين نصب عليهم من ذهنه. لكنه ما إن أغمض عينيه، حتى سمع صوت همسات خافتة في أذنه، كأنها تأتي من جوف الأرض:
"أعد المال… أعد المال… قبل فوات الأوان…"
"أعد المال… أعد المال… قبل فوات الأوان…"
انتفض من فراشه، قلبه يخفق بقوة،يكاد يطير من مكانه ،التفت يمينا وشمالا ،نظر حوله من كل الجوانب،لا أحد في الجوار . أخذ جبينه يتفصد عرقا وفرائسه ترتعد،ثم مالبث أن جفف عرقه، وأقنع نفسه أنها مجرد أوهام تطرق الاذان. لكن في اللحظة التي عاد فيها إلى فراشه وانكمش في غطائه، شعر بيد باردة تلامس قدمه و أخرى تفرك شعره!
قفز وأطلق صيحة مدوية، أشعل الأنوار، قلب الغرفة رأسًا على عقب، يداه ترتعدان و أسنانه تصطك فلم يجد شيئًا ولم ير شيئا سوى صوت ضحكة مكتومة تلاشت في زوبعة هلعه.
لم يغمض له جفن تلك الليلة،و في الصباح ظن أن ما حدث كان مجرد تعب نفسي وهواجس من وساوس الشياطين، فقرر في اليوم التالي أن يذهب إلى السوق ليشغل نفسه.
كان الرجل يتهادى في السوق بجلبابه ،يمسك يديه إلى الخلف،عيناه تتنقلان بين الباعة، يتفحص البضائع كخبير، تسري في أنفه روائح التوابل والفواكه الطازجة، والخضر المتنوعة كانت ممزوجة بصخب المساومات والضحكات المتناثرة،بينما هو هائم في سوقه فيسمع صوتا بعيدا من الخلف:
"يا ستار ياستار احفظ الناس من السمسار.. يا ستار ياستار احفظ الناس من السمسار"
قلب بصره ونظر من حوله، لا وجود لصاحب الصوت . اقترب من بائع التمور، فألقى نظرة فإذا بالتمر قد تحول إلى… عيون ملتهبة تحدق به! قفز مذعورًا، وهو يصرخ:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ! لبسم الله الرحمن الرحيم !"
وراه الناس على تلك الحال،كالذي يتخبطه الشيطان من المس يتخبط في الهواء، يصرخ في الفراغ، بينما العفريت كان يقف مختفيا في الزاوية يضحك ملء شدقيه.
عاد السمسار إلى بيته مهزومًا، وأقسم أنه لن يخرج مجددًا حتى ينتهي هذا الكابوس. لكن ماإن أسدل الليل حتى طفقت المصابيح تشتعل وتنطفئ من تلقاء نفسها، والنوافذ تغلق وتفتح بعنف،والصيحات تتعالى وتخفض ،ثم سمع صوتًا أجشًا يعرفه جيدًا:
"أما آن الأوان لأن تعيد المال لأصحابه؟ أم أنك تفضل أن أكون ضيفًا دائمًا عندك؟أم يعجبك أن أكون كظلك في الأسواق وفي الطرقات وحيثما حللت وارتحلت"
قال السمسار وصوته متهدج من الخوف:
" عن أي أموال تتحدث؟ومن تقصد من أصحابها؟"
استشاط العفريت غضبا،فضرب بقدمه الأرض،فاهتزت الجدران وكأن بها زلزال،فقال بصوت متحشرج:
" أراك تتظاهر بالغباء،و أحسبك تفضل العناد،أيها النصاب.كم واحد توسطت له بعته بيتي الذي يسكنه اليوم مناصفة معي الرجل المحترم"
رد السمسار في ندم:
" وكيف لي أن أجدهم،فقد تفرقت بهم السبل؟ و أين لي بالمال فلقد أنفقته كله"
قاطعه العفريت:
" فيما أنفقته،في أهلك وأبنائك الذين تركتهم في بلادك وهم غارقين في الفقر إلى العنق؟أم على مراقص اللهو والمجون ومعاقرة الخمرة و النساء؟"
توسل السمسار بصوت مرتجف:
"أقسم… سأعيد المال! فقط اتركني بسلام!"
لكن العفريت لم يكن لينخدع بسهولة، فقال له:
"لا وعود كاذبة! غدًا، تعيد المال لكل من خدعتهم،وأنا أدلك على بيوتهم، وإلا سأجعل كل يوم في حياتك أسوأ من اليوم الذي سبقه!"
لم ينتظر السمسار الصباح ليبوح بكل الأسرار، فقد أمضى الليل يبحث في دفاتره القديمة، يجمع الأموال التي احتفظ بها من صفقاته المخادعة.
مع انبلاج الفجر، أعد العدة وانطلق يبحث عن الذين نصب عليهم.. خرج مذعورًاوطرق أول باب ،كان باب البيت الذي يقطنه الرجل والعفريت . دفع إليه المال وهو يقول:
"خذ مالك… وخذني معك إلى العفريت، أريد أن أتأكد أنه لن يؤذيني بعد الآن!"
أطل العفريت من عل وهو يقول:
" لن تنعم بالهناء أيها السمسار إلا بعد ردك الدين كله للناس المخدوعين"
ضحك الرجل وهو يقول للسمسار: "لقد أوفيت بوعدك معي ،وبقي لك خلق كبير، واعلم أن العفريت سيظل يراقبك، و إن عدت إلى خداع الناس، فاعلم أنه سيعود إليك مضاعفًا!"
منذ ذلك اليوم، لم يعد السمسار كما كان. أصبح أكثر أمانة، وأكثر توجسًا، فكلما حاول خداع أحد، سمع في أذنه همسة خفية تذكره:
"أعد المال… قبل فوات الأوان وقبل أن أعود إليك من جديد!"
من كان يصدق أن العفريت قد يصبح سببًا في تحقيق العدل؟
النهاية.
توقيع:عبد الكريم التزكيني