خنجر في الظهر(قصة واقعية)
عاد "نعيم" إلى بيته الصغير مساء بابتسامته المعتادة، أدخل المفتاح في قفل الباب،وقبل أن يفتح تعالت الأصوات من الداخل "بابا" " بابا" ،فتح الباب وجلس القرفصاء ليحضن ولديه ويعانقهما،اختلط العناق بالقبلات،بينما أم البنين تقف وتتابع المشهد والسعادة تغمر قلبها،قالت مازحة:"ألا نستحق منك هذا الاهتمام أم أن ولديك قد حجبا قلبك فلم تعد ترى إلاهما"
انفلثا الصغيران من حضن أبيهما،وأسرعا إلى الداخل ليكشفا ما خبأه لهما في الكيس من جديد:لعبة، أم حلوى،أم لباس،أي شيء.
عانق "نعيم" زوجته ،وهو يقول: "أنت كل شيء". "سهام"،تلك الموظفة التي أحبها فملكت عليه قلبه وعقله،وقد أثمر حبهما زواج و أثمر الزواج ولدين. كانا يشكلان أسرة دافئة، مع طفليهما الوديعين وينعمان في سعادة غامرة.
"سلطانة" صديقة "سهام" المقربة منذ الطفولة،كانتا لاتفترقان أيام الدراسة،من الإعدادية إلى الجامعة إلى مابعد الجامعة،إذا رأيتهما حسبتهما شجرتين متجاورتين، تشابكت جذورهما واختلطت بأحلى الذكريات ، كانت إحداهما مرآة للأخرى، تعكس مخاوفها وأحلامها.و في أروقة الجامعة، حيث تبدلت الوجوه وكثرت المسؤوليات، ظلت صداقتهما صامدة في وجه الغيورين .ما من سر من أسرار حياتهما إلا وجدته مدفونا في قلبيهما ،كانت "سهام" تقول لصاحبتها:" أنت أختي التي لم تلدها لي أمي" وكانت ترد عليها":" أدامها الله محبة بيننا و أبعد الله عنا شر الخلق"
تزوجت "سهام" وكتب لها أن تعيش حياتها الزوجية ،ولم تكن يوما لتفكر بالابتعاد عن رفيقة حياتها "سلطانة" أو تتملص متذرعة بحياتها الجديدة أو بعملها،استمر الوضع على ماهو عليه ،وظلت "سلطانة" تتردد على بيت صديقتها وتقضي معها الساعات الطوال وتظل أحيانا مع الأسرة السعيدة إلى وقت متأخر من الليل تشاركهم العشاء وتقتسم معهم اللحظات الجميلة،تلبية لرغبة صاحبتها و الولدين ،كانت محبوبة لدى الجميع،بمن فيهم "نعيم".
تعلق قلب الصغيرين ب"سلطانة"واعتلقت بفؤادهما وصارا ينادونها خالتي ،أليست أخت أمهما؟ألم تجب بهم حدائق المدينة؟ألم تذهب بهم إلى كل مذهب من مذاهب اللهو والمرح؟ألم تحميهما من كل مكروه يعترض طريقهما حتى ولو كان المكروه قادما من أمهما؟ألم ترافقهما إلى المدرسة حتى اعتقد البعض أنها أمهما؟
ودارت دائرة الأيام واضطرت الظروف "نعيما" ليفارق أسرته السعيدة لبعض الوقت،كانت الشركة التي يعمل معها،قد نقلته إلى مدينة أخرى لمهمة من المهمات،وجد الأمر صعبا عليه،لكن لاراد لما قضى به المدير.
مراكش المدينة العامرة،مدينة البهجة الساحرة.الحدائق الزاهرة،النخلات الباسقة و جامع الفنا الساحة العامرة.كل شيء يبعث على السرور ..لكن "نعيما" لم يتنعم بشيء من نعيمها،فقد عز عليه فراق ولديه وزوجته لثلاثة أشهر.
كلفه مديره بتعويض أحد التقنيين في فندق قريب من ساحة جامع الفناء.
ظل "نعيم" يقوم بعمله بالفندق متى كان الفندق أحوج إلى أعمال صيانة،وكان يبيت هناك،وكل ليلة يتصل بولديه وأمهما ويتجادبون الحديث ويروحون عن بعضهم،كان الاتصال غالبا مرئيا.وأثار انتباهه عدم وجود "سلطانة" بين الفينة والأخرى.ولم تكن له الجرأة ليسأل عنها ،مخافة أن تساور زوجته الشكوك،ولكنها أخبرته مرة انها قد افتقدت صديقتها لبعض الوقت،قالت إنها سافرت إلى البادية عند بعض أقاربها.
..............
ذات مساء،رن الهاتف،نظر "نعيم" ليعرف المتصل فكان الرقم مجهولا،سحب الشاشة ليجيب فقال:
"ألو السلام عليكم".. لم يكن المتصل ليجيب ،لأن البكاء يخنقه.ويعود نعيم ليقول "من معي؟ من المتصل؟"
ثم يجيبه صوت مخنوق بالبكاء:
- "سلطانةصديقة زوجتك"
- "سلطانة؟ ولم البكاء؟هل حصل معك مكروه؟"
- " أجل أنا في ورطة كبيرة ،هلا ساعدتني؟"
- " أي ورطة ؟وأنى لي أن أساعدك ؟أنا في مراكش "
- " و أنا بمراكش أيضا ،جئت إليها منذ 15 يوما ،أنا بالداوديات "
" لا حول ولا قوة إلا بالله ،كيف أساعدك وما مشكلتك؟"
" إلى أن تأتي إلى هنا و أخبرك بكل شيء"
- "ولكني لا أعرف الداوديات ،أنا جديد العهد بمراكش"
- " لابأس سأبعث لك العنوان كاملا ،والطاكسي يدلك على البيت..لا تتأخر أرجوك "
خرج "نعيم" من الفندق على وجه السرعة و أسرع إلى الداوديات،ولما بلغ المكان قال له السائق" هذه وجهتك وقد يكون هذا هو البيت ،اتصل "
اتصل بها وما إن رن هاتفها حتى طلت عليه من النافذة وهي تقول :"السي "نعيم" السي "نعيم" اصعد الدرج"
وصعد على وجه السرعة،فلما فتح الباب وجد الفتاة على غير الوضع الذي اتصلت به ،لا بكاء ولا حزن بل جسد بارز مكتنز يهتز ومعه يهتز قلب "نعيم" ،قوام فتان ملفوف في فستان أحمر ضيق،الشفاه حمراء فاقع لونها ،والوجنتان تتقدان حمرة بدت كقطعة من اللهب تحرض كل من يحدق بها على الاقتراب أكثر. إغواء ما بعده إغواء. ..يالهول الصدمة لم ينبس ببنت شفة.نظر وجلس ،وريقه يهرب من حلقه مثلما هربت منه الكلمات .
تراقصت كل الافكار في خلده ومعها يتراقص جسد الفتاة غواية،اقتربت منه متثاقلة الخطى،ثم همست بصوت ناعم :
- "ألم تشتق إلى الأحاديث الدافئة بعيدًا عن ضجيج العمل؟"
شعر بوخز في صدره، . ابتلع ريقه الجاف مرة أخرى، وقال متلعثمًا:
- "سلطانة... ما هذا؟ أين مشكلتك؟ لماذا أنا هنا ؟ لم كنت تبكين"
قالت وهي تميل عليه:
- "ألم تسأل نفسك يومًا، لماذا كنت أفضّل الجلوس معكم على العشاء؟ لماذا كنت أقضي معكم الساعات الطوال وأحيانا إلى وقت متأخر؟"
كان عقله يصرخ من الداخل ، يرفض ما يسمعه، يحاول أن يقنع نفسه أن الأمر ليس كما يبدو، لكنه تاه وسط دوامة الأفكار التي تعصف به،يحاول الصمود ،يحاول المقاومة،شبح زوجته يطارده،وضميره يحاول جاهدا كبح جماحه،...ولكن كان ماكان.
.... بعد لأي صرخت في وجهه:
- " ماالذي أقدمت عليه؟"
أجابها والندم يتطاير من عينيه:
- " أيتها الشيطان ،دبرت المكيدة لي و أوقعتني في حبال شركك، خططت لكل شيء تماما"
- " أنت المسؤول عن كل ماحصل،لابد لك أن تصلح ما أفسدت"
- " لا حول ولا قوة إلا بالله،يارب خلصني من كيد هذه المصيبة.صدق العزيز:إن كيدكن عظيم"
- " لا كيد ولا ذنب عظيم إنما جدوة حب لا تنطفيء إلا بالزواج منك .أعني على خلاصك من مصيبتك،فهو رهين بالزواج مني"
انتفض في وجهها وقال بصوتٍ حازم، لكنه لم يخلُ من الارتباك:
- "سلطانة،كيف تسلطت علي... أنتِ مخطئة... أنا رجلٌ متزوج، وزوجتي تحبني، وأنا أحبها ولي ولدان.كيف لي أن أتزوجك"
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة وهي تقول:
- "وأنا لم أقل العكس... لكنني أعلم أن الحب وحده لا يكفي أحيانًا...ثم إن الشرع حلل لكم أربع زيجات "
لم يجد نعيم مفرا من الجحيم الذي وقع فيه،فتزوجها في السر وأخذ على عاتقه وزر ما فعل.
.........
في الضفة الأخرى ،بينما كانت"سهام" في بيتها مع ولديها والشوق يأخذها إلى زوجها،تنتظر انقضاء مدة مهمته الموكولة له بمراكش،رن صوت رسالة على هاتفها،تفحصت الرسالة فوجدتها طويلة وقد كتب فيها :
" أنا صرت الان متزوجة و أعيش في مراكش مع زوجك نعيم أنعم الله علينا بالسعادة والهناء،حاولت إخفاء الأمر لكن إلى متى،ثم إني مافعلت حراما،ولا خالفت عرفا،قد لا تصدقين لكن بإمكانك المجيء إلى مراكش على هذا العنوان."
أي عاصفة ألمت بها،أي صاعقة سقطت عليها؟ لم تتوانى في الاتصال بالرقم الذي جاءتها من خلاله الرسالة.قالت:
_ "من معي"
- " أمم..كنت أعلم أنك ستتصلين،لم أرسل لك من رقمي الخاص حتى تكون المفاجأة أعظم، أنا "سلطانة" رفيقة دربك يا "سهام" ،ربما تفاجأت؟؟"
- " لا أرجوك "سلطانة" ،كاد قلبي يقفز من مكانه ،أنت أعلم الناس بي ،وتعرفين أني لا أقبل المزاح في مثل هذه الأمور"
- " أي مزاح هذا،اسمعيني جيدا ،أنا صادقة وقد تزوجته على سنة الله ورسوله،فهل تودين الاستمتاع بنعم "نعيم" لوحدك،وتتركين صديقتك رفيقة دربك تقبع في الجحيم،أنا زوجة زوجك نعيم ،وإن ساورتك الشكوك،فقد بعثت لك العنوان لتري كل شيء بنفسك"
أقفلت "سهام" السماعة في وجهها،وصارت يداها ترتعشان وهي تتفحص الرسالة مرة أخرى.حامت بها الشكوك وعصفت بها رياح الغيرة،فاستأجرت سيارة وانطلقت بها كريح عاتية، تطوي المسافات طيا نحو مراكش، لا شيء يهدئ نبضها المتسارع سوى الوصول...وصلت والنهار قد لفظ أنفاسه الأخيرة، و الشمس مالت نحو المغيب.
ترجلت عند العنوان، ومرادها أن تجد الحقيقة سرابا ، والواقع أوهاما،وغاب عنها أن تجدها جمرا حارقا. طرقت الباب ولم يفتح إلا نعيم ،كان وجوده هناك بالنسبة إليها جحيما. لم تصرخ، لم تنهر،لم تقل شيئا لكنها نظرت إليه نظرة من احترقت روحها بنار الغدر، بينما وقف هو حائرا يترقب، كمن يبحث عن مهرب من قدره المحتوم.ولكن هل يعيد الزمن ما سلبه الخطأ؟ أم أن بعض الأخطاء يكون ثمنها الشقاء الأبدي؟
دفعته بعيدًا، وكأنها تزيح ظل خيانته عن طريقها، ثم هرولت إلى الداخل، ويا ليتها لم تفعل وياليتها ما جاءت أصلا. وجدت صديقة عمرها وقد أسبلت عليها ثوب الخيانة جالسة بكل صفاقة، رائحة الغدر تفوح من أقرب الناس إليها. صديقتها.. رفيقة دربها.. سلبت منها زوجها! طعنة غادرة، من الخلف وفي الروح.
قالت "سهام" بصوت متحشرج، كمن يلفظ آخر ذرات الأمل:
- "أهذا جزائي منك؟ أهذا ما استحقه مقابل الخير الذي غمرتك به؟ كنت أختًا، فصرت خنجرا مسموما في قلبي! قالوا: اتقِ شر من أحسنت إليه، ولم أدرك كم كانوا على حق!"
لم تكن "سلطانة" لتخفض رأسها خجلا، بل رفعت عينيها الوقحتين في وجهها وقالت:
- "وأين كنت عندما كنت أتلظى في جحيم الوحدة، وأنت غارقة في نعيم الحب؟ لماذا قُدرت لك السعادة، وقُدر لي الحرمان؟ كنتِ تنظرين إلي كأنني ظل، كأنني لا شيء! كانت ضحكاتك مع أطفالك تنغرس في قلبي كالخنجر، وكانت الغيرة تتأجج في صدري.. لو كنت رحيمة حقًا، لشاركتني زوجك قبل أن تضطريني إلى انتزاع حقي فيه!ثم إني وإياك نقتسم الحلو والمر دائما،وهاأنذا أقتسم معك الحلو اليوم"
قالت "سهام" :"كل هذا و أناغافلة عنك لم أعلم أن السداجة بلغت مني هذا المبلغ ،كنت أعيش مع حية ناعمة الملمس ناقعة السم، ثم ما فتئت أن غرزت أنيابها في جسدي من دون رحمة" ثم التفتت إلى "نعيم"، الرجل الذي وهبته عمرها، فوجدته واقفا كتمثال، مترددا يعصف به الندم. حاول أن يقترب، و يخفف من هول الصدمة، لكنه لم يجد سوى نظراتها الحارقة، فقال بصوت هادئ:
- " "سهام"، لم أرتكب خطأ، لم أخنك، ولم أظلمك، دعيني أشرح لك كل شيء،صديقتك دبرت لي مكيدة فوقعت فيها،وأصلحت ما أفسده مكرها بالزواج، الشرع أحل لنا الزواج من أربع، وسلطانة ليست سوى زوجتي الثانية، الأمر لا ينقص منك شيئًا، مكانتك محفوظة، وحبي لك لم يتغير."
رفعت بصرها في وجهه وقلبها يتأرجح بين الغضب والخذلان، ثم قالت بتهكم:
- "الشرع أحل لكم، نعم، لكنه وضع العدل شرطا، فهل كنت عادلًا حين تركتني في ظلمة الجهل، بينما كنتَ تنسج مع هذه الأفعى بيتًا آخر؟ هل كنت عادلًا عندما جعلت أقرب الناس إلي تخونني؟ وتهدم معها سعادتي وتدمر حياتي"
خفض "نعيم" رأسه، ولم يجد ما يرد به، أما "سلطانة"،فكان لسانها سليطا، بدلا من الصمت، زادت النار حطبا بقولها:
- "كنت سأقبل أن أكون الثانية أمام الجميع، لكنك لم تتركي لي خيارا، كنت ستمنعينه عني،لأن حبك له كبير،كنت ستجعلينه يتراجع، وأنا لن أقبل أن أظل في الظل بينما أنتم تعيشون في النعيم!"
أحست "سهام" أن الكلمات معهما باتت فارغة، فقالت لزوجها:" بيني وبينك القاضي"ثم استدارت نحو من كانت صديقتها وهي تقول:" حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الله ونعم الوكيل " ثم خرجت وصفعت الباب من خلفها.
أدركت "سهام" حينها أن الغدر لايمكن أن يسدد سهامه من عدو،لأن العدو ليس بحاجة إلى الغدر لإلحاق الأذى بأحد،وإنما الغدر سلاح بأيدي أقرب الناس إليك.هنا تصدق الحكمة القائلة:"اتق شر من أحسنت إليه"
النهاية
توقيع:عبد الكريم التزكيني