📁 آخر المقالات

إتباث التهمة...(قصة واقعية)

إثبات التهمة...(قصة واقعية)

عاد "عبد الصادق" من الحدود، أو مايطلق عليه الجنود المغاربة "السمطة" ويقصدون الحزام ،هناك القساوة بكل تجلياتها، الرمل فراش،والسماءغطاء، والسراب يتراءى بالنهار والظلام يسدل ستاره بالليل. خمسة وعشرون عامًا في الصحراء، شهد فيها شمسا لاترحم، وريحا تسطو وتتجبر، تصنع من الرمال تموجات لاتقل عن تموجات الحيات المتربصة والعقارب المنتثرة، وبين هذا وذاك عدو لا ينام يتحين الفرصة للإنقضاض.في تلك الأوساط العائمة في قساوة الصحراء كان يحمل سلاحه ،و يحمل معه صبرًا ، وجلدًا لايقوى عليه إلا أشد الرجال.
في قساوة الصحراء كان يحمل سلاحه ،و يحمل معه صبرًا

حين بلغ الأربعين، وقد أنهكه الزمان ، قرر أن يمنح نفسه فرصةً للحياة، فتزوج ثانيةً، بعد أن طوى صفحة زواجٍ أول مزّقتها يد القدر .كانت أمه سامحها الله قد أصرت على أن يطلق زوجته لأنه لم يرزق منها الولد،ونسيت أن الله هو الرزاق يهب من يشاء ويجعل من يشاء عقيما..كان متعلقا بزوجته مثلما كانت ،ورضي بقضاء الله وقدره،لكن أمه رأت غير رأيه ،فأذعن لرأيها مرغما .ثم أخذ على نفسه ألا يتزوج بعدها،وبذلك بات زواجه ذكرى غائمة، وأربع سنوات طُويت في سجلّ الماضي، بأمرٍ لم يكن له فيه رأي.
تزوج زواجه الثاني وذكرى زواجه الأول لاتبارحه،وقدر لزوجته الثانية أن تحبل مرتين وتلد مرتين.رزق منها بولدين كأنهما نجمين أضاءا نور بصره. كان ينظر إليهما بعينٍ مُتعبة، لكنه يرى فيهما حياةً لم يعشها، ويرى في ضحكاتهما عزاءً لكل ليلة سهرها مترقبًا بين الرمال وعيون الأعداء. عاد ولم يعد كما كان، فالجندية صنعت منه رجلا كالحديد، لكنه كان يحمل في داخله حنينًا هشًا، حنينًا إلى زمنٍ لم يعد إليه، وإلى أيامٍ لم يعد فيها سوى أثرٍ يُمحى مع الريح.
الان هو في الخمسين،تقاعد من الجندية،ولابد له من عمل،يُغيبُ وجهَه عن زوجته التي لا تتوقف عن مضايقته،ووجد ضالته  في التجارة من الفواكه الجافة أو قل شبه تجارة،كان ينزوي في ركن من أركان المدينة.يبيع ،ويتجادب أطراف الحديث مع أصحابه،فيحكي لهم عن بطولاته بالصحراء،وكانوايكذبون من كلامه أكثر ما يصدقون.
ذات مساء وفي طريقه إلى بيته و كان الليل قد أرخى سدوله على المدينة،  عاد عبد الصادق يدفع عربته متعبًا، يخطو بتثاقل نحو منزله الصغير في آخر الحي، لكن ما إن مر قرب حاوية للأزبال في زاوية الطريق حتى اخترق سمعه صراخٌ واهنٌ، مرتجفٌ كأنين.توقف لبرهة، ثم اقترب بحذر، وأزاح الكرتون الملقى بجانب القمامة، ليتفاجأ بمولود صغير ملفوف بقطعة قماش ببيضاء، وقد احمر وجهه الصغير من البكاء، ويداه ترتجفان بردًا. تجمد الرجل في مكانه و شعر بقشعريرة غريبة تسري في أوصاله، كان مزيجا من الخوف والشفقة والذهول.كيف هربت الرحمة من القلوب وكيف يُلقى الرضيع بهذه القسوة؟ من فعل هذا؟
لم يفكر كثيرًا، فانحنى على الرضيع  وحمله برفق بين ذراعيه،   احتضنه داخل معطفه، ثم أسرع الخطى نحو بيته.
إتباث التهمة...(قصة واقعية)
فتح الباب، فأحدث صريرا ، خرجت زوجته، من المطبخ وهي تمسح يديها بمئزرها، أصابها الذهول لما رأته يحمل طفلا. ارتسمت على وجهها علامات الدهشة والإغراب، ثم سرعان ما تحولت إلى نظرة شك حادة، ممزوجة بغضب عاصف.سألته بحدة:
ــ ما هذاالذي تحمل بين يديك؟ من أين أتيت به؟
أجاب وهو يضع الطفل برفق:
ــ وجدته مرميًا قرب الحاوية، كان سيهلك من البرد!لا حول ولا قوة إلا بالله.
تقدمت نحوه، نظرت إلى المولود بعينين مريبتين، ثم رفعت بصرها نحوه قائلة بصوتٍ متحشرج:
ــ لا تكذب عليّ، ياعبد الصادق! هذا ابنك، أليس كذلك؟
اتسعت عيناه في ذهول، تراجع خطوة إلى الوراء كمن تلقى طعنة غير متوقعة. فقال بذهول:
ــ ماذا؟ ، كيف تفكرين هكذا؟ أقسم لك بأغلظ الإيمان إني وجدته قرب حاوية أزبال، كيف يمكن أن يكون ابني؟
تقدمَت نحوه أكثر، وعيناها تغليان غضبا:
ــ لا تحاول خداعي! من أين أتيت به إذن؟ هل يعقل أن يجد المرء طفلًا في الشارع هكذا؟! لا بد أنك تخفي شيئًا!لابد أنك تزوجت خفية عني؟قل لي من تكون أمه؟وكيف تركته لك؟
تسلل إليه غضب شديد لكنه تماسَك. كان يدرك أن الشك، إذا تسلل إلى القلب قد يعمي الأبصار . جلس بجوار الرضيع، تأمله ، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم:
ــ لا يمكنني أن أترك إنسانًا يموت أمامي يا امرأة.وسيبقى معنا الصغير إلى أن يجعل الله له مخرجا.
لم يستطع النوم تلك الليلة. نام بقرب الرضيع كان يسمع أنينه  ومعه  صدى كلمات زوجته يطرق رأسه . كيف لها أن تشك فيه بهذه السهولة؟ لكن، هل يمكن أن يلومها؟ أي امرأة قد تصدق أن زوجها عاد إلى البيت فجأة بطفل مجهول وادعى أنه وجده في الطريق؟
لكنه لا يمكن أن يدع الشك يهدم بيته، ولا يمكن أن يعيش تحت نظرات الاتهام كل يوم. عليه أن يثبت براءته بأي طريقة. وخطر له فجأة صديقه القديم، الممرض "سليم" في المستشفى العام.بعد أن ألقى إليه بالخبر،اقترح عليه  أن يجري فحصا بسيطا لدمه و للصغير أو أخذ عينة من اللعاب لاختبار الحمض النووي،سيتأكد من خلاله إن كان الأب البيولوجي لهذا الطفل أم لا،وسيتبث لزوجته كل شيء بالعلم.
لم يتوانى  عبد الصادق في الأخذ بالنصيحة.فقام بكل الإجراءات اللازمة التي أملى عليه صاحبه ،وانتظر التحليلات وهو متأكد أنها ستتبث براءته لزوجته مما رمته به.
انقضى أسبوع واتصل الممرض ب"عبد الصادق"،ليخبره بنتائج الفحص:
- مرحبا السي عبد الصادق ،يجب أن أراك في أ قرب وقت.
- في أقرب وقت؟لماذا؟التحاليل.
- سأخبرك بكل شيء،نلتقي بالقرب من المحطة بالمقهى المعلوم.
هرع على وجه السرعة إلى المكان المعلوم،ونفسه تحدثه بأسوأ الأحاديث و أشأمها،أتكون التحاليل قد نطقت مرضا صامتا خطيرا؟أم يكون  الصغير مريضا؟ 
بلغ المكان وأنفاسه تتصاعد ،وجد صديقه قد سبقه،نظر إليه بعينين زائغتين حائرتين، فكاد صديقه يشفق عليه، لكن قال بوضوح:
ــ عبد الصادق... اختبار الحمض النووي  أثبت أنك لست والد هذا الطفل... لكن..!
- كنت أعلم لكن ماذا؟أيكون المرض الصامت الخبيث؟
- أبدا..لا..لا أعرف كيف أبدأ؟
-  قل وخلصني من نار الشكوك المستعرة في داخلي.
- أتبث الاختبار أنك عقيم..لا يمكن أن تلد.
- كيف؟؟؟لا بد أنك تمزح.
اسودّت الدنيا في عينيه. شعر أن كل ما حوله يدور،و رأسه تدور وأعماقه تصرخ وتسأل كيف  أن حياته كلها كانت كذبة. كيف يكون عاقرًا؟وولداه  اللذان يملآن بيته من أين جاء بهما؟!
هام في المدينة وفكره يعوم في بحر متلاطم الأمواج،تحدثه نفسه بأنه في حلم لابد أن يستيقظ منه،كل فوضى المدينة وضجيجه حل في داخله.كيف يمكن لعقله أن يتقبل حقيقة أنه لا يملك القدرة على الإنجاب؟ وكيف أن هذا الواقع، الذي بدا له منذ لحظة في متناول يده، أصبح اليوم ضربًا من المستحيل؟
كانت الواجهات تعكس صورته المشوهة، صورة رجل لا يعرف من يكون بعد الآن. همسات الشوارع تحيط به، وكأن كل شارع يتآمر عليه، يسخر من ضعفه، من عجزه. تذكر كلمات صديقه التي لا تفارق ذهنه: "أنت عاقر". لم تعد الحياة تبدو كما كانت، بل أصبحت غريبة، مليئة بالفجوات والفراغات التي لا يعرف كيف يملؤها.
كل الأسئلة التي طرقت فكره لها مجيب واحد ووحيد،زوجته تنتظره في البيت... ،لابد أن يعود إليها،ويسألها.لكن ماالذي سيجنيه من سؤالها؟لاشيء سوى القتل والسجن.
أخذ على نفسه أن يتريث،إلى أن يتأكد من خبر التحاليل،ثم بعدها يتدبر الحيلة للإيقاع بزوجته وينتقم إن كانت فعلا قد فعلت فعلتها.
تتمة القصة في الجزء الثاني
توقيع :عبد الكريم التزكيني
تعليقات