إثبات التهمة(قصة واقعية)
الجزء الثاني
... باتت الشكوك تساور "عبد الصادق" حول ما ذهب إليه صاحبه،وحول المفاجأة التي فجرتها تلك التحاليل اللعينة،ولتذهب إلى الجحيم.عصفت به الظنون وأعادته مرة أخرى لصاحبه الممرض،عاد ليثبت أن هناك خطأ ما،وألح عليه أيما إلحاح،فأدخله إلى طبيب متخصص فأثبت له وشرح من خلال التحاليل استحالة إنجابه.
وفي وقت متأخر من الليل ،عاد إلى البيت ،أدخل المفتاح وأداره بتؤدة،فتح بهدوء،دخل وهويمشي على أصابع قدميه..دماؤه تغلي ،ونفسه توسوس له.. دخل المطبخ لبرهة،ثم خرج منه إلى غرفة نوم من كان يحسبهما ولديه،أنار المصباح،ثم أخذ يحدق في أدق التفاصيل من وجههما ،هل فيهما من ذرة شبه ،ثم يرجع البصر كرة أخرى ،فيتأكد من أنهما قريبا الشبهه بأمهما،أما هو فلا تمت ملامحه إليهما بصلة.
ثم خرج ليدخل غرفة نومه،ألقى نظرة على الصبي،كان نائما،وكانت زوجته تغط في سبات عميق،نظر إليها نظرة حانقة..ثم أخذ الرضيع وخرج من البيت،ليعود إليه يوما.
ولما حل الصباح،قامت من مرقدها،فلم تجد الصبي ،ولم تجد زوجها،فاتصلت به ليخبرها أنه رحل من غير عودة.فكيف لا وهي قد اتهمته تهمة عظيمة .
وراح يتقصى كل ناحية وجانب،يبحث عن مكمن الخيانة،يتتبع الخيوط لتصل به إلى الحقيقة،سلك كل فج من الفجاج ،وطرق كل باب من الأبواب،إلى أن اهتدى إلى الحل.
أخبره أحد معارفه ذات مرة أن زوجته كانت تترك ولديها في باحة الألعاب كل سبت،وتتركهما مع أحد المنشطين هناك ثم تكلفه بمراقبتهما وحفظهما من كل سوء ،على أن تعود بعد ثلاث ساعات أو أربع.كانت تدفع له مبلغا كل مرة لقاء الخدمة التي يسديها للطفلين.
أمسك بخيط الحقيقة وبدأ ينسج به مشهده الأخير. أخذ يراقب تصرفات زوجته بدقة وهي على يقين أنه قد سافر إلى مكان بعيد، وظل يترقب على متن سيارة استأجرها بعيدا عن المكان مسافة لا تثير الشك، وعيناه تراقبان المشهد.
مر شهر كامل،ولم يظهر منها مايثير الشكوك،حتى فكر في الانسحاب إليها ومواجتها بأمر الواقع،لكن في يوم من أيام الله،يوم السبت،ظهرت الزوجة في الأفق، تمسك بيدي الطفلين ،تبع خطواتها إلى أن سلمتهما للرجل الذي اعتاد مراقبتهما، وألقت عليه بعض الكلمات قبل أن تستدير مبتعدة. لم تأخذ سوى بضع دقائق حتى استقلت سيارة أجرة واتجهت نحو إحدى العمارات السكنية. أخذ قلبه يخفق بقوة، والغضب يتأجج في عروقه، لكنه تمالك نفسه وأدار محرك السيارة، متتبعًا أثرها بصبر قاتل.
توقفت السيارة أمام عمارة متوسطة الارتفاع، وصعدت المرأة بخطوات خفيفة بينما كان هو يراقبها من زاوية الشارع. . ثم صعد بخطوات ثابتة يقتفي أثرها إلى الطابق الرابع،دخلت شقة كان بابها مفتوحا.. ثم وقف أمام الباب المنشود لبرهة.
رفع يده، وبدلًا من أن يطرق الباب برفق، انهال عليه بقبضته بعنف، مصحوبًا بصرخة زلزلت أرجاء المكان:
"افتحا الباب فورًا، لقد انكشف كل شيء وأسدل الستار!"
ارتبكت الأنفاس خلف الباب، وتعالى الهمسات باضطراب. كانت اللحظات تمر عليهماكأنها دهر، ثم… فُتح الباب ببطء، وظهرت الزوجة بملامح مذعورة، وشريكها خلفها، شاحب الوجه، متلعثم الكلمات. لكن الوقت كان قد فات!
متع الله عبد الصادق بهدوء لم يعهده أحد في الرجال الذين يُمتحنون مثل الامتحان،فحدجهما بنظرة حانقة،وهو يقول:
" كنت لأقتلكما لكني لن ألوث يدي الطاهرتين بدم نتن لأسوأ خلق الله" .ثم صفع الباب من خلفهما،وأوصده حتى يسد عنهما فكرة الهروب.ثم جمع خلق كبير من سكان العمارة ليشهدوا ويُشدهوا لمنظر الخيانة في أسوأ تجلياته،وتحلق الناس حول الباب، وتطايرت النظرات الساخطة كسهام قاتلة، وبدأت الهمسات تتحول إلى صرخات غضب. أحد الجيران سحب هاتفه ليوثق المشهد، وآخر أبلغ الشرطة التي حضرت سريعًا، لتجد الزوج واقفًا شامخًا أمام باب الفضيحة، يشير إليهما بهدوء قاتل:
"خذوهما إلى المكان الذي يستحقان!"
تم اقتيادهما وسط نظرات الاشمئزاز، وقبل أن يغادرا، التفتت الخائنة إلى زوجها، عيناها تنشدان الرجاء، لكنه لم يمنحها سوى نظرة باردة، وكلمات كالسيف القاطع.
خلال التحقيقات ،اعترفا المذنبان أنهما كانا على علاقة أمدها طويل،واعترفت الزوجه بأنها كانت تعرف الرجل قبل الزواج من عبد الصادق،وأنها كانت تستغل فرصة غيابه لتركب مركب الرديلة وتغرق في بحر الرديلة،وأكدت أن الصغيرين من صلب عشيقها،لأنها جربت مع زوجها ولم تفلح،وخشيت على نفسها من الطلاق وهي أعلم بمصير زوجته الأولى ،فرأت الرأي أن تسلك مسلكا لا الله يغفره ولا العبد يقبله.
وهكذا… انتهت فصول الخيانة بفضيحة مدوية، وقضى كلاهما أياما وشهور في الزنازن، حيث لا جدران تخفي الخزي، ولا مجرم يهرب من العدالة!
عاد عبد الصادق إلى بيته،وقد تخلص من الخائنة للأبد، واستل نفسه من كارثة كادت تعصف به وترمي به في غياهب السجون.لكن ما يفعل بالصغيرين،أيمسكهما على هون أم يقذف بهما بإحدى الخيريات.
فكر ثم أدبر ثم فكر ورأى الرأي أن يبقيهما معه ويأتي بالصغير الذي وجد بالقرب من الأزبال ،ثم يأويهم جميعا تحت سقف واحد،إذ لا ذنب لهم فيما حصل،وإنما هم ضحية الأخلاق الفاسدة.
النهاية
توقيع :عبد الكريم التزكيني