📁 آخر المقالات

البيت المهجور(حكاية مرعبة)

 البيت المهجور(حكاية مرعبة)

البيت المهجور(حكاية مرعبة)

حامت العائلة الصغيرة  حول الأب في سكنهم الصفيحي، الأم  والصغار يترقبون وفي الانتظار،الأب الخمسيني تنسدل لحيته التي اختلط سوادها ببياضها على وجهه ،وتضفي عليه هبة ووقارا .وأم البنين لم تبلغ الأربعين  وإذا رأيتها  حسبتها في الثلاثين، تعلو وجهها ابتسامة مشرقة  دافئة ،وينبعث من عينيها بريق الأمل،.البنت ورثت كل شيء من أمها ،الحسن والجمال وروعة الخصال بينما أخويها 3 سنوات  و10 سنوات أقرب إلى أبيهما من أمهما،متع الله الكبير بحسن التربية بينما الصغير مايزال يرضع من فيض أخلاق هذه الأسرة الكريمة.

 تحلّق  الجميع  بأعين لامعة تعكس براءة وتلهفًا حول الأب  الذي تعلو ملامحه الواثقة فخرا ممزوجا بحماس يحمل في طياته شوقا  ليرى سعادتهم.ظل الجميع يراقب ويترقب وكأنهم يحاولون قراءة الخبر على صفحة وجهه.

بدا المشهد دافئًا  و كأنه لوحة عائلية تفيض  دفئا وحنانا،ثم خرق  الأب غشاء الصمت بلطف قائلاً: "اليوم أحمل لكم خبرًا سيجعل بيتنا أكثر دفئًا... لقد عثرت على بيت رائع بثمن لن تصدقوه"

علا التصفيق وانطلقت الهتافات ، وأقبلوا عليه بالعناق والتقبيل ، قالت الأم بعد أن هدأت زوبعة الفرحة  :

" حمدا لك ياالله،الحمد للذي لاينبغي الحمد إلا  له.استجاب دعاءنا وحقق حلمنا،وخلصنا من العيش في هذه الغابة الصفيحية.." سقطت من عينيها دمعة فرح مسحتها بأناملها ثم أردفت مستفهمة:

" لكن كيف هذا؟ومتى ومن أين لك بالمال؟أعلم أنك لن تدخل متاهة الأبناك،ولكن...أخبرنا وقل لنا إننا لانحلم "

رد عليهامزهوا:

" أنت لاتحلمين ياامرأة،كل شيء جاء صدفة،صديقي السمسار دلني عليه،وبثمن بخس، 15 مليونا .عشرة دفعة واحدة، وخمسة مصارفة ثلاث سنوات...البيت واسع،من طابقين...واسع رائع... سترين بأم عينيك"

قالت بفضول:

" وبهذا الثمن؟عجيب..ومن أين لك بعشرة ملايين؟" أطرقت قليلا ثم قالت:

" أربعة على حسابي،سأبيع ذهبي،وسأقترض الباقي من إخواني فقد وسع الله عليهم في الرزق"

" لا يا امرأة نحن أيضا وسع الله علينا أرزاق كثيرة،ونعما كثيرة ،لا يحصيها العاد عددا،لكن تعمى أبصارنا وبصائرنا عنها...أما ذهبك فهو لك،وأنت أحوج مني إليه.أما إخوتك فدعيهم وشأنهم. أنا سأتدبر أمري وسيجعل الله للأمر مخرجا"

ألحت عليه في إصرار:

" أرجوك لاترد طلبي فما يهمني يهمك،ونحن منذ زمن اقتسمنا الحلو والمر،فلا تجعل كبرياءك يطفيء عطشي للمساعدة"

رد عليها:

" ألم أقل لك إن المرأة الصالحة نعمة من أنعم الله،وأنت كذلك،لابد لي أن أحمد الله هذا العطاء الجميل.وإن رأيت الرأي مساعدتي فأنا شاكر لك ولله مرة أخرى وثالثة وووو....فتوكلي على الله"

البيت المهجور(حكاية مرعبة)


استعجلت المرأة رؤية البيت الجديد،أخذها الشغف لاكتشاف موقعه وحجمه وجدرانه ومطبخه "والمطبخ أهم مافي البيت" حسب رأيها ورأي أغلب النساء.

كان المسكن رائعا ،فسيحا،كبير الحجرات، جدرانه من زليج وسقفه من جبص منقوش بزخرفة مغربية بديعة،المطبخ فسيح كما أحبت الأم.

""""""""

بعد شهر حلت العائلة السعيدة بالمسكن الجديد،وقد حملت معها متاعها وزادها وعتادها .قضت نهارها الأول في سعادة غامرة .ولما جن الليل واشتد الظلام تناهت إلى الأسماع همسات غريبة،وحفيف أقدام.دب الرعب في نفوس الصبية والأم أما الأب فلم يلق للأمر بال واعتقد أن أبناءه في أوهام ووساوس الشيطان.

نام الأطفال في غرفتهم الجديدة وقد تملكهم الخوف وذهب بهم كل مذهب،ومع ذلك غلبهم النوم وخلصهم من كل الأوهام.

في الغرفة الأخرى يغط الأب والأم في نوم عميق،ولما انتصف الليل ،سمع طرق خفيف،قال الأب من فراشه وهو يتتاءب:

"ادخلي ياابنتي..ادخلي و أشعلي الأنوار.."

لا أحد يجيب انفتح الباب محدثا صريرا خفيفا،وفاتحه لم يضء المصباح،فقال الأب مؤكدا:" أشعلي المصباح يا ابنتي" ،قالت الأم والخوف يتملكها:"ما هذا ..لبسم الله الرحمان الرحيم"..فجأة برق ضوء أحمر الحجرة،إنه عفريت  مخيف ،ينبعث من عينيه  شرر كاللهب،والفم كالمغارة يتصاعد منه دخان رمادي  يتدلى منه لسان طويل كالثعبان .حينها لم يعد هناك إلا صوت أنفاس متقطعة يتخللها صدى الصمت الثقيل.  لم يجد الأب الكلمات للرد، وكأنها قد اختنقت في حلقه. أما الأم، فقد تجمدت عيناها الواسعتان على المخلوق الذي يقف أمامهما.

 كان العفريت  أفظع مما يمكن للعقل تصوره، عيناه المتوهجتان ألقتا ظلالًا متراقصة على الجدران .ثم أطلق صرخة مدوية اهتزت لها أركان البيت  وانهدت معها قلوب ساكنيه :

" هذا مسكننا منذ الأزل ،و أنتم مغتصبون،و إن أصررتم على البقاء به ،نالكم منا ما لا طاقة لكم به.. سأمهلكم هذه الليلة  ..هذه الليلة...واعلموا أن الكثير من أمثالكم احتال عليهم صديقك السمسار ،وجاء بهم إلى هنا ..فأرغمناهم على الرحيل  " 

ثم طفق  الضوء يخفت رويدا رويدا  واستحال العفريت إلى دخان  أبيض ما فتئ أن اختفى وترك خلفه الزوجين في حيرة من أمرهما.

ولما حل الصباح ،قال الزوج لزوجته:

" الان أدركت لم كان  المسكن زهيد الثمن،لقد خدعني السمسار ، بل صديقي، صديقي "السمسار"،كان يقول إنها " همزة" وهو يدرك تمام الإدراك العيب الذي جعله كذلك"

ردت عليه الزوجة والخوف متربص بها :" والان ماذا سنفعل ،هذا بيت مسكون ،لن أزيد فيه يوما واحدا"

قال " لا تخافي يا امرأة وانتظيري لعل الله يجعل لنا مخرجا"

ولما حلّت الليلة الثانية، جلس الأب في ركن هادئ من المنزل، متأملًا الجدران التي شهدت الرعب ليلة البارحة. لم يكن خائفًا هذه المرة، بل كان عازمًا على عقد اتفاق جديد، اتفاق يضمن له ولعائلته السلام، دون أن يضطروا للرحيل.

وما إن أرخى الليل سدوله ،حتى بزغ العفريت،  هذه المرة سقط من السقف ، انتصب و عيناه المتوهجتان تحدقان في الأب بحذر، وكأنه يحاول قراءة نواياه. عندها، تحدث الأب بصوت رزين :

"أعلم أيها الجان..." انتفض العفريت وهو يقول  "أنا العفريت كبير العفاريت ولست جنيا عاديا،تظن أن الفقها سينالون منه..."

رد الرجل :

"أعلم  أنك كنت هنا قبلنا، وأدرك أنك لا تريد أن نزعجك… لذا أقترح اتفاقًا: نعيش معًا تحت هذا السقف، لكن دون أن يتأذى أحد. لكلٍ منا حدوده، فلا تتعرض لي ولعائلتي ولا أتعرض لكم بسوء ، ولن نتعدى على حقك في هذا المكان. فلنعقد اتفاقا وشروطا "

ساد الصمت لوهلة، قبل أن يضحك العفريت بصوت خافت، وهو يقول:

"اتفاق عادل… ولكن ماذا عن صاحبك الذي خدعك؟ صاحبك السمسار؟ألا تر له رأيا يجازى من خلاله على فعلته؟"

هدأت نفس الرجل وحمد الله على تحقيق مسعاه، ثم مال بجسده إلى الأمام، وقال بنبرة خافتة:

"لقد أصبت أيها العفريت ،دعنا ندبر له حيلة،ينال بها الجزاء الذي يستحق .."

...انسلخت بضعة أيام وهم الرجل بتطبيق خطته .وذات صباح هرول  إلى صديقه السمسار في دكانه، وابتسم له ابتسامة ودودة لم يكن  ليتوقعها،وبعد الترحيب قال له:

"يا صديقي العزيز، أتيتك اليوم لأردّ لك الجميل… ما فعلته لأجلي لا يُقدّر بثمن، لذا أريد أن أدعوك  الليلة إلى مأدبة عشاء، فليس هناك أعظم من الوليمة بين الأصدقاء."

تهلل وجه السمسار، رغم أنه أبدى تحفظا وترددا ، لكن الرجل ألح عليه فقبل تلبية الدعوة.

أسدل الليل ستاره وبات كل شيء جاهز. أعدت الزوجة أشهى الأطعمة، والبيت غارق في جوّ هادئ دافئ، لا يوحي بما ينتظر الضيف المخادع. جلس الأب وزوجته يتبادلان الأحاديث مع السمسار بينما الأبناء ظلوا بعيدين،بينما  كان صاحبنا يلتهم الطعام بنهم، غير مكترث لأداب الطعام ،وغير مدرك للعيون الخفية التي كانت تراقبه من الظلام.

...فجأة، انطفأت الأنوار ورحلت ،و أرسلت خلفها ظلاما حالكا،وصمتا رهيبا . ثم ببطء مخيف، بدأ وهج أزرق  غامض ينبعث من سقف الغرفة. ارتعد  السمسار وحاول أن يقول شيئا،لكن العفريت باغثه بصوته  الأجشًّ الهادر:

"أهلا بك… في بيتي الذي تبيعه للناس بأزهد الأثمان و أنت تعلم أني صاحبه!أو على الأقل تعلم أنه مسكون"

تسمرت عينا السمسار على وجه العفريت فوجده أشد هولًا  مما كان يتصوره عن الجن.  انبعث اللهب من عينيه، ولسانه الطويل يتلوى، وكأنما يتذوق طعم الرعب المنبعث من السمسار.

صرخ السمسار صرخة كادت تذهب فيها روحه، وتجنبت عيناه النظر  إلى العفريت،فولى وجهه شطر صديقه وهو يقول :

" سأرد عليك مالك ..أقسم ..لبسم الله الرحمن الرحيم ،افعل شيئا أرجوك ،سأرد عليك 15 مليونا"

و طفقت الجدران تهتز ، أصوات ،صراخ ،همس مخيف،ضجيج  ، أضواء وهاجة حمراء تنبعث من عينيه وتنطفيء. قال الرجل للسمسار:

"أهذا مقدار الصداقة التي بيننا ،تبيعنا بيتا مسكونا وأنت تعلم ،وتقسم بأغلظ الإيمان إنه لبيت أمن رائع...همزة"

قال العفريت:"هذه عادته فقد باعه لأكثر من عشرين شخصا ،حتى إذا ضاقوا مني رد عليهم نصف الثمن وفي أحايين كثيرة لا يرد شيئا"

كانت تلك آخر الكلمات التي سمعها السمسار قبل أن يُغمى عليه من هول مارأت عيناه وسمعت أذناه.

ولما بزغت شمس الصباح، وجد السمسار نفسه ملقىً عند عتبة المنزل،لم يعرف ما ابتلي به . نهض مترنحًا، يلهث وكأنه عاد من الموت ، ولم يلتفت خلفه أبدًا، بل ركض مبتعدًا عن المنزل وكأن العفريت مايزال يطارده.

بينما وقف الرجل و زوجته عند عتبة البيت يراقبان،  ينظران إليه يذوب رويدا رويدا ،فقال الرجل بصوت عال: 

"أظن أننا الآن متساويان… أليس كذلك؟"

تعليقات