البيت المهجور(حكاية مرعبة)
حامت العائلة الصغيرة حول الأب في سكنهم الصفيحي، الأم والصغار يترقبون وفي الانتظار،الأب الخمسيني تنسدل لحيته التي اختلط سوادها ببياضها على وجهه ،وتضفي عليه هبة ووقارا .وأم البنين لم تبلغ الأربعين وإذا رأيتها حسبتها في الثلاثين، تعلو وجهها ابتسامة مشرقة دافئة ،وينبعث من عينيها بريق الأمل،.البنت ورثت كل شيء من أمها ،الحسن والجمال وروعة الخصال بينما أخويها 3 سنوات و10 سنوات أقرب إلى أبيهما من أمهما،متع الله الكبير بحسن التربية بينما الصغير مايزال يرضع من فيض أخلاق هذه الأسرة الكريمة.
تحلّق الجميع بأعين لامعة تعكس براءة وتلهفًا حول الأب الذي تعلو ملامحه الواثقة فخرا ممزوجا بحماس يحمل في طياته شوقا ليرى سعادتهم.ظل الجميع يراقب ويترقب وكأنهم يحاولون قراءة الخبر على صفحة وجهه.
بدا المشهد دافئًا و كأنه لوحة عائلية تفيض دفئا وحنانا،ثم خرق الأب غشاء الصمت بلطف قائلاً: "اليوم أحمل لكم خبرًا سيجعل بيتنا أكثر دفئًا... لقد عثرت على بيت رائع بثمن لن تصدقوه"
علا التصفيق وانطلقت الهتافات ، وأقبلوا عليه بالعناق والتقبيل ، قالت الأم بعد أن هدأت زوبعة الفرحة :
" حمدا لك ياالله،الحمد للذي لاينبغي الحمد إلا له.استجاب دعاءنا وحقق حلمنا،وخلصنا من العيش في هذه الغابة الصفيحية.." سقطت من عينيها دمعة فرح مسحتها بأناملها ثم أردفت مستفهمة:
" لكن كيف هذا؟ومتى ومن أين لك بالمال؟أعلم أنك لن تدخل متاهة الأبناك،ولكن...أخبرنا وقل لنا إننا لانحلم "
رد عليهامزهوا:
" أنت لاتحلمين ياامرأة،كل شيء جاء صدفة،صديقي السمسار دلني عليه،وبثمن بخس، 15 مليونا .عشرة دفعة واحدة، وخمسة مصارفة ثلاث سنوات...البيت واسع،من طابقين...واسع رائع... سترين بأم عينيك"
قالت بفضول:
" وبهذا الثمن؟عجيب..ومن أين لك بعشرة ملايين؟" أطرقت قليلا ثم قالت:
" أربعة على حسابي،سأبيع ذهبي،وسأقترض الباقي من إخواني فقد وسع الله عليهم في الرزق"
" لا يا امرأة نحن أيضا وسع الله علينا أرزاق كثيرة،ونعما كثيرة ،لا يحصيها العاد عددا،لكن تعمى أبصارنا وبصائرنا عنها...أما ذهبك فهو لك،وأنت أحوج مني إليه.أما إخوتك فدعيهم وشأنهم. أنا سأتدبر أمري وسيجعل الله للأمر مخرجا"
ألحت عليه في إصرار:
" أرجوك لاترد طلبي فما يهمني يهمك،ونحن منذ زمن اقتسمنا الحلو والمر،فلا تجعل كبرياءك يطفيء عطشي للمساعدة"
رد عليها:
" ألم أقل لك إن المرأة الصالحة نعمة من أنعم الله،وأنت كذلك،لابد لي أن أحمد الله هذا العطاء الجميل.وإن رأيت الرأي مساعدتي فأنا شاكر لك ولله مرة أخرى وثالثة وووو....فتوكلي على الله"
استعجلت المرأة رؤية البيت الجديد،أخذها الشغف لاكتشاف موقعه وحجمه وجدرانه ومطبخه "والمطبخ أهم مافي البيت" حسب رأيها ورأي أغلب النساء.
كان المسكن رائعا ،فسيحا،كبير الحجرات، جدرانه من زليج وسقفه من جبص منقوش بزخرفة مغربية بديعة،المطبخ فسيح كما أحبت الأم.
""""""""
بعد شهر حلت العائلة السعيدة بالمسكن الجديد،وقد حملت معها متاعها وزادها وعتادها .قضت نهارها الأول في سعادة غامرة .ولما جن الليل واشتد الظلام تناهت إلى الأسماع همسات غريبة،وحفيف أقدام.دب الرعب في نفوس الصبية والأم أما الأب فلم يلق للأمر بال واعتقد أن أبناءه في أوهام ووساوس الشيطان.
نام الأطفال في غرفتهم الجديدة وقد تملكهم الخوف وذهب بهم كل مذهب،ومع ذلك غلبهم النوم وخلصهم من كل الأوهام.
في الغرفة الأخرى يغط الأب والأم في نوم عميق،ولما انتصف الليل ،سمع طرق خفيف،قال الأب من فراشه وهو يتتاءب:
"ادخلي ياابنتي..ادخلي و أشعلي الأنوار.."
لا أحد يجيب انفتح الباب محدثا صريرا خفيفا،وفاتحه لم يضء المصباح،فقال الأب مؤكدا:" أشعلي المصباح يا ابنتي" ،قالت الأم والخوف يتملكها:"ما هذا ..لبسم الله الرحمان الرحيم"..فجأة برق ضوء أحمر الحجرة،إنه عفريت مخيف ،ينبعث من عينيه شرر كاللهب،والفم كالمغارة يتصاعد منه دخان رمادي يتدلى منه لسان طويل كالثعبان .حينها لم يعد هناك إلا صوت أنفاس متقطعة يتخللها صدى الصمت الثقيل. لم يجد الأب الكلمات للرد، وكأنها قد اختنقت في حلقه. أما الأم، فقد تجمدت عيناها الواسعتان على المخلوق الذي يقف أمامهما.