📁 آخر المقالات

قصةأحمد النية.. مع السكة الحديدية


قصةأحمد النية.. مع السكة الحديدية

أحمد النية.. رجل  لا يضرب به المثل
من منا لايعرف قصة أحمد النية؟
لم يكن "أحمد" سوى شاب بسيط من البادية، حيث الأرض مترامية الأطراف والسماءترسل شمسها الحارقة . نشأ في أحضان الكثبان،وفي كنف الجبال. لا يعرف سوى صفاء القلب وصدق العمل،و يؤمن بأن الرزق مكتوب، وإن كان لا يُنال إلا بالسعي والجهد.
قرر أن يشد الرحال إلى البيضاء، حيث تنبت العمارات وتناطح السحاب ويزدهر العمران على أكتاف العمال الكادحين من أمثاله. لم يكن يملك سوى يدين قويتين خشنتين، ونية صافية صادقة، فدخل عالم البناء على غرار أغلب شباب بلدته، يحمل أكياس الإسمنت على كتفيه دون أن ينوء أو يحتج، ويصعد بالرمال الطوابق دون تردد، كان يعمل بجد وإخلاص، لا يشتكي من التعب، ولا ينتظر المديح. وحين يسأله أحدهم عن سر هذا التفاني، يبتسم ويقول:
"الرزق بيد الله، لكن النية أساس كل شيء".ويضيف" إنما الأعمال بالنيات،قالها الرسول عليه السلام"
لم يمضِ وقت طويل حتى بدا لأصحابه في العمل إخلاصه وتفانيه، فصاروا يضعون ثقتهم به، يكلفونه الأعمال الشاقة،  فينجزها بمهارة ومن دون تأفف، وفي وقت قياسي جدا ثم يطلب القيام بعمل اخر.
 ومع مرور الزمن ، أصبح الناس ينادونه بلقب "أحمد النية"، حتى طغى اللقب على اسمه الحقيقي، وصار رمزًا بين العمال، يُضرب به المثل في الإخلاص وحسن العمل. إلا أن زملاءه "لمتعلمين" في البناء لم يكونوا يرون في إخلاصه سوى سذاجة مفرطة،يستغلها أرباب الشركات والمقاولات لصالحهم. كان متار  سخريتهم وضحكاتهم  وهمزاتهم كلما وجدوه يكدّ دون كلل، يقولون في كثير من الأحيان: "يا أحمد، النية وحدها لا تُطعم خبزًا!".وإذا أنهى عمله بإتقان، قالوا: "لماذا كل هذا العناء؟! صاحب الشركة سيجني الأموال وأنت ستجني البرد والأمراض". وحين كان يرفض التحايل أو الغش في العمل، يصيحون ضاحكين: "أحمد، نحن نبني للناس، ولا نسكن هنا! دع عنك هذه المثالية الفارغة". لكنه لم يلتفت إليهم، وكان يكتفي بابتسامة صامتة، وهو يقول  : "دير النية وبات مع الحية" .

أحمد النية في شبابه

كان أحمد النية أشبه بإعصار حين يقدم على العمل، فما إن يُوكل إليه عمل حتى ينجزه بسرعة البرق، دون أن يترك وراءه خطأ أو تقصيرًا فيثني عليه مشغله. لم يكن يعرف التلكؤ أو التهرب مثل بقية العمال، بل كان ينهي مهمته ثم يتوجه إلى مشغّله قائلاً: "هل من عمل آخر؟".
في البداية، كان مشغلوه معجبين بنشاطه، لكنهم سرعان ما بدأوا يتوجسون منه، فليس من المعتاد أن يكون أحدهم بهذه السرعة وبهذا الإخلاص! أما زملاؤه وأصحابه، فكانوا يسخرون منه قائلين: "أتظن نفسك آلة أ"با أحمد"؟! ألا تعرف وجها للراحة ؟أم ترى المشقة مكتوبة على الجبين". وكان آخر يضحك قائلاً: "تمهل يا رجل! إن أكملت كل شيء اليوم، فأين تجد العمل غدًا؟".
لكن "أحمد" لم يكن يكترث لكلامهم، بل يرد بابتسامته المعهودة: "كل دقيقة في العمل رزق، والرزق لا ينتظر الكسالى! من أمثالكم"
يضحك العمال حتى تظهر نواجدهم.لكن لابد من طريقة يوقفون بها هذا السيل الجارف من العزيمة والإصرار؟كيف لهم أن يكلفوه عملا لايطلب بعده عملا اخر. وأخيرًا اهتدوا إلى حيلة ماكرة:كان أحد أبناء رب الشركة من تكلف بها، قال لأحمد:
- "أحمد، لدينا لك مهمة خاصة، تحتاج إلى صبر وجهد لا ينفد! "
قال أحمد متحمسا:
- "مرحبا سيدي أنا في الخدمة،ولو قلت لي أزيح جبلا من مكانه لفعلت دون تردد"
-"اسمع جيدا،السكة الحديدية صدأت،وقد أوكلت الحكومة لشركتنا مهمة إزالة الصدأ عنها،ولانرى أحدا قادرا على هذه المهمة سواك، وعليك أن تقوم بصقلها من أولها إلى آخرها،تنطلق من هنا من البيضاء في اتجاه الشرق"
ثم أشار إلى خطي السكة  المتوازيين الممتدين بلا نهاية، متوقعًا أن يُصدم أحمد أو يرفض العمل.
لكن أحمد لم يتردد لحظة! بل نظر إليه بهدوء، ومدّ يده قائلاً:
- "أعطوني "الكاغط الأحرش"(أوراق السنفرة)، وسأنجزها بإذن الله!". دهش الجميع، ثم انفجروا ضاحكين، غير مصدقين أنه قبل المهمة المستحيلة.
وهكذا، انطلق أحمد على بركة الله، من سكة  الدار البيضاء، يجثو على ركبتيه، ويشمر على ساعده يفرك السكة بقوة، لا يمل ولا يكل. كان الجميع ينتظر أن يستسلم بعد ساعة، لكنه استمر، يومًا بعد يوم،وشهر بعد اخر، ينظف، يصقل، يتقدم بثبات!وظن الجميع أن أحمد النية قد انتهى، وأنه لن يجرؤ على طلب عمل آخر بعد هذه المهمة المستحيلة. كانوا متأكدين أنه سيهلك تحت وطأة التعب،وطول المسافة أو يستسلم أخيرًا، لكنهم ربما لم يعرفوا بعد معدن هذا الرجل.

قصة أحمد النية مع السكة الحديدية
وفي صباح يوم  من الأيام ، رن هاتف أحد المسؤولين ، فرفع السماعة متثاقلًا، ليصدم بصوت أحمد النية يأتيه بكل حيوية:
"السلام عليكم! معك أحمد النية"
" وعليكم السلام أعرف صوتك،أمازلت بالسكة؟"
"أنا الآن في وجدة، وقد أنهيت كل "الكاغط الأحرش"! فهلا أرسلتم لي المزيد؟أنا في الانتظار و.."
" تريد شيئا اخر"
"لا..لا يخصني شيء ،لكن ماذا أفعل في انتظار وصول "الكاغط الأحرش""
كاد المسؤول عن  الشركة يسقط من على كرسيه، والعمال من حوله كانوا يحدقون في بعضهم بذهول. هل يُعقل هذا؟! كيف استطاع أحمد قطع مئات الكيلومترات وهو يصقل السكة الحديدية بلا توقف؟ كيف لم يهلك أو يتراجع؟
نهاية الحكاية
صحيح أن القصة ليست حقيقية بل من المخيال الشعبي ،لكن ألا يوجد أشخاص في زمننا هذا ممن يستغلهم الناس دون رحمة؟.وما أكثر أساليب الاستغلال بين بني البشر.فالنية الطيبة وحدها لا تكفي، بل يجب أن يرافقها العقل والميزان. فقد كان أحمد النية مثالًا للإخلاص والتفاني، لكنه لم يدرك أن هناك حدودًا لكل شيء، وأن الحكمة لا تقل أهمية عن النية الصادقة.
كان يمكنه أن يسأل نفسه:
"هل هذا العمل منطقي؟ هل أُستغل بسبب إخلاصي؟ هل هناك حدود يجب أن أضعها لنفسي؟"
فالنية الطيبة إن لم تُضبط بالعقل والتفكير السليم، قد تتحول إلى عبء على صاحبها بدل أن تكون نعمة. ومن هنا، تعلم الجميع من أحمد درسًا جديدًا:
"اجعل نيتك خالصة، لكن استخدم عقلك لتعرف متى وأين تبذل جهدك!"
توقيع:عبد الكريم التزكيني
تعليقات